الصفحة الرئيسية
من نحـــن
الدين والحياة
تربية وتنمية
تخطيط واستراتيجيا
المسلم والاقتصاد
رؤى نهضوية
ملفات
حقوق الإنسان
وجها لوجه
واقع الأمة
قراءة في كتاب
مواجهات فكرية
اصدارات المركز
سجل الزوار
إتصل بنا

المستخدم

كلمة المرور


إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 


نظرية الدور،، دراسة تأصيلية في المنطلقات الاجتماعية والسياسية

خاص بالمركز العربي للدراسات والأبحاث

 

في إطار أهمية الأدوار التي يؤديها بعض الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات داخل المجتمعات المعاصرة، ظهرت نظرية الدور للوقوف علي طبيعة هذه الأدوار ومحدداتها، وخصائص كل منها، وكذلك بيان الآثار التي يمكن أن تترتب علي هذه الأدوار،

ويشكل "الدور" (Role) المفهوم المحوري الذي استند إليه منظرو ومحللو هذه النظرية في تحليلاتهم وافتراضاتهم التي علي أساسها تم بناء هذه النظرية، التي تنبع فكرتها الأساسية من أن الأدوار ترتبط بالمناصب أو بالوضع الاجتماعي وكل وضع له مجموعة من الخصائص، وهنا تركز النظرية علي الفرد وسلوكه، فهي علم يهتم بدراسة السلوكيات التي تميز الأفراد في إطارات معينة.
ويشكل "الدور" (Role) المفهوم المحوري الذي استند إليه منظرو ومحللو هذه النظرية في تحليلاتهم وافتراضاتهم التي علي أساسها تم بناء هذه النظرية، التي تنبع فكرتها الأساسية من أن الأدوار ترتبط بالمناصب أو بالوضع الاجتماعي وكل وضع له مجموعة من الخصائص، وهنا تركز النظرية علي الفرد وسلوكه، فهي علم يهتم بدراسة السلوكيات التي تميز الأفراد في إطارات معينة.

 


وقد كانت بداية الاهتمام بمفهوم "الدور" في إطار علم الاجتماع، ومنه انتقل إلي العلوم السياسية، وتعددت الاتجاهات بشان تعريف المفهوم، وفي إطار هذه الاتجاهات، يمكن التمييز بين:

 

1ـ تعريفات تركز علي المركز الاجتماعي للقائم بالدور وتوقعاته:

ومن ذلك تعريف دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية: والتي تناولت طبيعة المفهوم ومكوناته وأبعاده، حيث نظر إلي الدور علي أنه مفهوم يستخدم لتفسير وتوضيح التوقعات السلوكية للفرد، والتي يمكن من خلالها بيان وضعه أو مكانته، مع التركيز في إطار هذا التعريف علي المظاهر الاجتماعية (Sociological Aspects) للدور وخاصة من حيث بزوغ الدور وعلاقته بالفاعل، وبالمكانة، وبالإطار التنظيمي، وكذلك علاقته بالشخص نفسه([1]).

 

أو تعريف (Theodorson) والذي يؤكد علي جانب التوقعات في التعريف فيري أن: "الدور هو نموذج للسلوك مبني علي حقوق وواجبات معينة ويرتبط بمركز معين داخل نطاق جماعة أو موقف اجتماعي، ويتحدد هذا الدور بمجموعة التوقعات من جانب الآخرين ومن جانب الشخص نفسه عن سلوكه"([2]).

 

وكذلك تعريف بوبتز (Popitz): "الدور هو نتاج لمدركين أكثر شمولاً واتساعاً وهما المعيارية الاجتماعية والتمايز الاجتماعي أو بشكل أكثر دقة نتيجة ترابط معين بين كلا المدركين، فكل مجتمع يمكن اعتباره كإطار من المعايير السلوكية وأنه يمكن تمييز أنساق معينة من الفعل الاجتماعي بشكل دائم ومستمر علي أنها جبرية وملزمة، كما أن كل مجتمع يمكن اعتباره كبناء متمايز اجتماعياً وكإطار مركب من أجزاء متمايزة من الناحية الاجتماعية([3]).

 

         تعريفات تركز علي الفاعل الاجتماعي وعلاقته بالآخرين:

ومن ذلك القول بأن الدور هو: "ما يقوم به الفاعل الاجتماعي في علاقته بالآخرين"، ولكن مع مراعاة أنه لا يمكن اعتبار كل سلوكيات الفرد الاجتماعية داخلة في إطار معين أو دور واحد له، وهو ما يعني أن هذا التعريف أكثر تعبيراً عن مفهوم الفعل (Action) ([4]).

أو أن الدور هو: "أحد المفاهيم الأساسية في نظرية التحليل الوظيفي، والتي تنطلق من مجموعة من المقولات، من بينها: أن المجتمع كالكائن الحي هو نسق أو بناء واحد يتألف من عدد من الوحدات أو النظم، وأن هذه الوحدات متماسكة ومترابطة ومتساندة وتقوم بينها علاقات دائمة من التأثير والتأثر، وأن هذا النسق يقوم علي مبدأ التكامل والتوازن، وأن العمليات والنشاطات التي تؤديها النظم والعلاقات التي تقوم بينها تهدف في النهاية إلي المحافظة علي نظام النسق واستقراره وتوازنه في مواجهة التغيرات الداخلية أو البيئية.

 

وأن وحدة النسق واستقراره تتحقق في النهاية من هذه العلاقات، وعمليات التفاعل القائمة بين وحداته، وأن لكل وحدة في النسق دوراً أو وظيفة تتحدد علي أساس موقعها في النسق الكلي وتشترك بها في عملية التفاعل الوظيفي التي تهدف إلي الحفاظ علي وحدة النسق واتزانه، وأن العلاقات بين الوحدات أو النظم وتفاعلها يقوم علي أساس مبدأ الأخذ والعطاء، أي أن عدم استجابة إحدى الوحدات أو النظم لمطالب وحدة أخري داخل النسق الاجتماعي يؤدي بالضرورة إلي انهيار التكامل والتوازن ودخول النسق في مرحلة جديدة لمحاولة إعادة التوازن([5]).

 

أو أن "الدور مفهوم حركي يرتبط بالسلوك ولا يتم بشكل عفوي أي أن له قصد معين ووليد التفكير والتدبير وهذا القصد هو أداء وظيفة معينة ترتبط بمكانة شخص ما وفي ظرف بيئي بشري محدد، وله في النهاية طابع تراكمي إنمائي يرتبط بالقدرة علي معالجة القضايا الجديدة المتولدة عن الحركة، وقد يكون الدور إلزامياً أو اختيارياً كما قد يكون فردياً أو جمعياً([6]).

 

3ـ تعريفات تركز علي الممارسة السلوكية للقائم بالدور:

ومن ذلك تعريف معجم العلوم الاجتماعية: الدور هو سياق مؤلف من مجموعة من الأفعال المكتسبة التي يؤديها الشخص في موقف تفاعلي معين([7])، ويؤخذ علي هذا التعريف تحديده للأفعال بأنها مكتسبة رغم أنها قد تكون طبيعية وفطرية.

 

أو القول بأن "الدور هو تتابع نمطي لأفعال متعلقة يقوم بها فرد من الأفراد في موقف تفاعلي"([8])، أو أنه "الممارسة السلوكية لحقوق وواجبات الموقع الاجتماعي ولمعايير المكانة الاجتماعية المتمثلة في رموزها وعلاماتها"([9])، ويدعم ذلك تعريف بيدل (Biddle)، للدور بأنه "الممارسات السلوكية المميزة لواحد أو أكثر من الأشخاص في إطار معين، ويتأسس هذا التعريف علي أربعة مفاهيم هي السلوك والشخص والإطار والتميز، فالأدوار هي سلوكيات يتم أداؤها بواسطة أشخاص مميزون، وعادة ما تكون مرتبطة بإطار محدد ومتميز"([10]).

 

وتعريف إسماعيل، الذي يري أن "الدور هو ممارسات سلوكية متميزة ترتبط بمركز اجتماعي معين وتتسم نسبياً بالاستمرارية والثبات ويمكن التنبؤ بها"، وهو بذلك يتضمن مجموعة من السمات  الأساسية:

 

ـ الطابع الواقعي أو السلوك الفعلي: فالأدوار ليست مجرد حالات نفسية أو تعبيرات معنوية، ولكنها أحداث واقعية ملموسة، تتأسس علي مجموعات من الحقوق والواجبات مع وجود أنواع معينة من الوظائف، فالدور هو سلوك ذو أوصاف معينة يمثل وحدة صغري في إطار النشاط الذي يمثل وحدة متوسطة، في إطار النسق الاجتماعي الذي يمثل وحدة كبري.

 

ـ التمايز: فالأدوار تختلف كل منها عن الأخرى: علي المستوي المتوقع (انطلاقاً من اختلاف الحقوق والواجبات والوظيفة المرتبطة بمراكز هذه الأدوار)، وعلي المستوي الفعلي (انطلاقاً من أن شاغلي هذه المراكز والقائمين بممارسة سلوك الدور يختلف كل منهم عن الآخر باختلاف شخصياتهم وخلفياتهم العامة، في أسلوب وكيفية تطبيق هذه الحقوق وتلك الواجبات).

 

ـ الارتباط بمركز اجتماعي معين: حيث يعد المركز الاجتماعي أحد جوانب بنيان النسق الاجتماعي ويمثل تصنيفاً للكائنات الإنسانية ويعبر عن هوية ذات سمات معينة.

 

ـ الاستمرارية النسبية: فالأدوار تعد مفهوماً وصفياً لسلوك معتاد ولا تعبر عن مجرد أشخاص مؤقتين، نظراً لأنها تعبر في جوهرها عن مراكز تمثل عناصر محددة في البنيان الاجتماعي، وتحدد نوعاً من الحقوق والواجبات([11]).

 

وفي إطار هذه الاتجاهات يمكن القول أن مفهوم الدور يشير من الناحية السلوكية إلي "مجموعة من السلوكيات والقواعد التي ترتبط بوضع معين"، وهو بهذا يقوم علي سلوك، يقوم به فرد، داخل إطار معين، ويشير من الناحية التحليلية إلي عدد من الأبعاد الأساسية:

 

(أ) التوقعات: وتشمل القواعد التي تنظم الأفعال التي تتضمن التأثير وصنع القرار والتوزيع السلطوي للقيم داخل المجتمع، كما تشير إلي مطالب المجتمع من كل فرد يشغل منصباً أو يحتل مكانة معينة.

(ب) التوجهات: أي الأفكار الخاصة بالفرد شاغل الدور، والتي تعكس القواعد التي يضعها المجتمع وشخصية القائم بالدور وإدراكه لمطالب وتوقعات من حوله.

 

(ج) السلوك: أي الأفعال التي يقوم بها الفرد الذي يشغل منصباً معيناً، وفيه يتم التركيز علي الفعل كما حدث لا كما يجب أن يكون.

 

وتمثل هذه الأبعاد نقاط ارتكاز لتحليل الدور وتحديده، وفي إطارها فإن الدور يشير إلي "حالة توضع فيها الحقوق والواجبات المرتبطة بمنصب اجتماعي معين في موضع التنفيذ، وذلك في إطار التفاعل بين مُشّكل الدور، وشاغل الدور، والفعل الذي يقوم به([12]).

 

والتفاعلات التي تتم في إطار عملية الدور تمر بعدد من المراحل الأساسية: إدراك توقعات الأفراد حول الحقوق والواجبات المرتبطة بالدور، وإرسال مشكلي الدور قواعد الدور إلي القائم بالدور سواء بالاتصال المباشر أو من خلال وسائل الإعلام، وإدراك القائم بالدور للدور الذي يؤديه كما يتوقعه منه المجتمع، وتعريف وتحديد القائم بالدور للموقف، وهو ما يتضمن رؤيته الشخصية لكيفية القيام بالدور، وبيان سلوك شاغل الدور وهو ما يرتبط بالقواعد التي يفرضها الدور والتي يحددها الأفراد أو القائم بالدور أو الاثنين معاً، ثم إدراك سلوك الدور، ويقوم بذلك مشكل الدور الذي يفحص السلوك بدقة ويقارنه بتوقعات الدور، حيث يؤدي التقييم المتتابع للسلوك إلي تقوية أو تقويض التوقعات والنتائج في المرحلة التالية، التي إما أن تكون استمرارية للمرحلة الأولي باستمرار قواعد الدور بعد تحقق التوقعات، وإما أن تؤدي إلي تغيير القواعد، في إطار دائرة التغذية الاسترجاعية، والتكيف والاستجابة مع المتغيرات المحيطة.

 

ويرتبط مفهوم الدور بالعديد من المفاهيم القريبة منه، والتي تثير خلطاً بين الباحثين عند محاولة تفسيرها وبيان المقصود منها، ومن بين هذه المفاهيم:

 

مفهوم المركز: تعتبر المراكز تصنيفات للكائنات الإنسانية، بينما تعتبر الأدوار تصنيفات للسلوك، فالمركز يعبر عن هوية مستخدمة للدلالة علي شخصية أو أكثر، وهي الشخصيات التي من المفترض أنها تشترك في واحد أو أكثر من الصفات الواضحة، أما الدور فيعبر في جوهره عن وصف السلوك المرتبط بذلك المركز، ومفهوم النشاط، ويقصد به ذلك التفاعل المؤقت والمتميز بين عدد من الأدوار التي يكون بينها اعتماد متبادل، فالنشاط يعتبر شكلاً من النسق الاجتماعي المبسط، بينما تعتبر الأدوار الوحدات الصغرى من البنيان السلوكي الذي يهتم به المحللون، ومفهوم الوظيفة، والذي يعني سلوكيات معينة تؤدي إلي تأثيرات ملموسة يمكن أن يتلمسها الباحث وغالباً ما يدركها المشاركون في أداء هذه الوظيفة، أي أنه في الوقت الذي تمثل فيه الأدوار سلوكاً، فإن الوظائف تمثل نتائج لهذا السلوك.

 

وكذلك مفهومي المهمة والهدف، فمفهوم المهمة يشير إلي الوظائف المشتركة المتعلقة بالنشاط التي تظهر داخل النسق، وهذه المهام تسبق وجود النسق، فالأنساق يتم تخطيطها لإنجاز المهام، والمهام تختلط بالأهداف فالأهداف حالة مرغوبة من جانب الفرد، أي أنها تعتبر مفهوماً فردياً ونفسياً، أما المهام فإنها تعتبر حالة مقصودة ومتعمدة بشكل جماعي من جانب أعضاء النسق الاجتماعي، أي أن الهدف حالة نفسية أما الدور فهو حالة سلوكية، والمهمة حالة توجيهية تمثل وسطاً بين الهدف والدور([13]).

 

4ـ التعريف السياسي للدور:

في إطار الاتجاهات الخاصة بتعريف الدور، وما يرتبط به من مفاهيم، جاء تناول مفهوم الدور السياسي (Political Role)، فالأدوار السياسية تتشكل من مجموعة متوقعة من سلوك الأفراد الذين يتبوؤن مناصب معينة في النظام، وهو أمر يمكن أن يبدأ في الترتيب من أكثر هؤلاء الأفراد عمومية إلي أكثرهم خصوصية، وتعمل المحددات البيئية والتاريخية والقيم الثقافية كعناصر مستقلة تشكل القواعد وتضفي الشرعية علي السلوك المصاحب للأدوار السياسية داخل النظام السياسي، مع مراعاة أن كل دور في النظام له مجموعة من الحدود التي إذا انتهكت فمن المحتمل إما أن تؤدي إلي تغيير النظام أو إلي إبعاد شاغل الدور عن وظيفته، وهنا تعمل الثقافة السياسية من أجل تنظيم نشاط الأفراد القائمين بأدوار معينة، وذلك بتأثيرها علي أنماط الأفكار والسلوك.

 

وهنا يأتي التأكيد علي عدد من الاعتبارات الأساسية: أنه من المهم أن يكون هناك قدر من التماسك بين وداخل الجماعات التي تقوم بأدوار سياسية، كعنصر أساسي لتحقيق الاستقرار السياسي، وأنه مع ضرورة توافق الدور مع القيم الأساسية للفرد القائم بالدور إلا أنه أحياناً ما يطلب منه القيام بدور يتعارض مع هذه القيم، وإن لم يقم به يتعرض للعقاب، وأنه عندما لا تكون الأدوار واضحة لشاغليها، وعندما تكون هناك آراء متضاربة بخصوص حدود سلوك الدور، فإن ذلك قد يؤدي إلي عدم الاستقرار السياسي.

 

ومن هنا فإن دراسة الدور السياسي في نطاق العلوم السياسية تسمح بإبراز التفاعلات ونماذج السلوك المرتبطة بالفاعلين السياسيين، وما يرتبط بهم من توقعات ودوافع، وبناء اجتماعي وثقافي، ومهارات وموارد، وتأكيد الأهمية التي يمثلها الفاعل السياسي في عمليات التفاعل، وفي شبكات العلاقات التي تتشكل من خلالها الحياة السياسية، ودراسة وتمحيص العمليات السياسية علي أكثر من مستوي من مستويات التحليل، فضلاً عن دراسة عناصر الارتباط بين هذه المستويات المختلفة([14]).

 

ويرتبط مفهوم الدور السياسي بالعديد من المفاهيم، إلا أن أكثر هذه المفاهيم ارتباطاً به، هو مفهوم "الفعل السياسي ـ Political Action"، والذي برز الاهتمام به بداية في إطار علم الاجتماع علي يد العالم تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) وخاصة في إطار دراساته حول (Social Action) ([15]). وفي نطاق العلوم السياسية تم تعريف الفعل السياسي علي أنه: "مجموعة الأعمال التي يقوم بها أحد أطراف العلاقة السياسية (الدولة، المواطنون، القوي السياسية الوسيطة بينهما) والتي تتم صياغتها في إطار قيمي وعقيدي معين بحيث تعكس مصالح الجهة المشكلة للفعل، وتؤدي إلي حدوث تأثير في الأطراف الأخرى ينجم عنه رد فعل ذي خصائص معينة".

 

وهو بهذا التعريف يقوم علي تحديد نوع الفعل، وتحديد أطراف العلاقة السياسية الذين يقومون بالتفاعل مع الفعل، وتحديد الإطار القيمي، أي العقيدة السياسية التي يتم مراعاة قواعدها ومبادئها عند صياغة الفعل، وكذلك تحديد الجهة المشكلة للفعل، أي المصدر المسئول الذي يقوم بتحديد ما يجب أن يقوم به الفاعل من أفعال، فقد يكون الفاعل نفسه وقد يكون طرفاً آخر تتوافق ـ أو تتعارض وتتناقض ـ مصالحه ومصالح الفعل، ثم تحديد بداية قيام الجهة المشكلة للفعل بتشكيل الفعل عن طريق السعي إلي إكسابه للقائم به من منطلق توافر مجموعة من المهارات والمطالب التي يحتاجها لتنفيذه الفعل، بحيث يمكن ترجمة التوجهات التي تم تصورها إلي سلوك فعلي يتمثل في القيام بالفعل نفسه وتقمصه، ثم بيان ردود الأفعال التي تصدر عن الجهة المستقبلة للفعل، سواء كانت هذه الردود معاكسة لما يريده الفاعل، أو مواتية لما يريده([16]).

 

وفي هذا الإطار يمكن القول أن مفهوم "الدور السياسي" يقوم علي أنه: "الجهود والنشاطات التي تقوم بها جماعة من الجماعات السياسية أو الاجتماعية للدفاع عن مصالحها وترسيخ وجودها في المجتمع الذي توجد فيه، والتي تختلف من مجتمع إلي آخر ومن بيئة إلي أخري، ومن جماعة إلي أخري، باختلاف خصائص وسمات هذه المجتمعات والبيئات وتلك الجماعات" وهو بذلك يقوم علي عدد من المؤشرات الأساسية من بينها:

 

ـ وجود مجموعة من الوظائف تحكمها واجبات وحقوق محددة، مع التمايز في هذه الوظائف وتلك الواجبات والحقوق، والارتباط بمركز أو كيان معين يمثل أحد جوانب النسق الاجتماعي القائم، مع ضمان الاستمرارية والثبات النسبي.

 

ـ إمكانية التنبؤ بهذه الأدوار في ظل ما ترتبط به من توقعات، وما تتسم به من ثبات واستمرارية.

 

وذلك استناداً إلي ما قامت عليه نظرية الدور (Role Theory) من افتراضات، منها: أن بعض أنماط السلوك تعد صفة مميزة تميز الأفراد الذين يعملون داخل إطار معين، وأن الأدوار غالباً ما ترتبط بعدد من الأفراد الذين يشتركون في هوية واحدة، وأن هؤلاء الأفراد غالباً ما يكونون مدركين للدور الذي يقومون به، فالأدوار يحكمها ويحددها حقيقة إدراك هؤلاء ومعرفتهم بالدور، وأن هذه الأدوار تستمر جزئياً بسبب النتائج التي تترتب عليها من ناحية، وبسبب أنها غالباً ما تكون داخل نظم اجتماعية أكثر اتساعاً من ناحية أخري، وأن الأفراد يجب أن يتعلموا الأدوار التي يقومون بها أي يتم تأهيلهم للدور الذي يعهد إليهم.

 

ثانياً: افتراضات النظرية:

تقوم النظرية علي عدد من الافتراضات التي يوجد حولها نوع من الاتفاق بين الباحثين والمهتمين، من بينها: أن بعض أنماط السلوك تعد صفة مميزة تميز الأفراد الذين يعملون داخل إطار معين، وأن الأدوار غالباً ما ترتبط بعدد من الأفراد الذين يشتركون في هوية واحدة، وأن الأفراد غالباً ما يكونون مدركين للدور الذي يقومون به، فالأدوار يحكمها ويحددها حقيقة إدراك هؤلاء ومعرفتهم بالدور، وأن الأدوار تستمر جزئياً بسبب النتائج التي تترتب عليها (وهي وظيفة الدور من ناحية) وبسبب أنها غالباً ما تكون داخل نظم اجتماعية أكثر اتساعاً من ناحية أخري، أن الأفراد يجب أن يتعلموا الأدوار التي يقومون بها، أي يتم تأهيلهم للدور الذي يعهد إليهم([17]).

 

ثالثا: استخدام نظرية الدور:

وفي إطار هذه الافتراضات فإن مجالات استخدام نظرية الدور في إطار علم السياسة المعاصر يمكن أن تتم من خلال مستويين أساسيين:

 

الأول:    بحث الأدوار السياسية في إطار الأنساق السياسية من الداخل كل علي حدة، وبحث هيكل الأدوار وتوزيعاتها وتفاعلاتها بين الأنساق الفرعية أو الأبنية التي تشكل النسق السياسي ككل ويتم ذلك علي ثلاثة محاور: تحليل أدوار صانع القرار السياسي وعلاقته وتفاعلاته مع أبنية النسق وهيكل علاقات أدوارها، ودراسة علاقات وتوزيعات الأدوار وتفاعلاتها بين أبنية النسق السياسي وأنظمته الفرعية مع بعضها البعض، ودراسة أثر التركيب الاجتماعي وانعكاساته علي أداء الأدوار السياسية، أي بحث هيكل الأدوار السياسية للمؤسسات الاجتماعية وتفاعلاتها مع مؤسسات النسق السياسي وهيكل أدوارها.

 

الثاني: بحث الأنساق السياسية في إطار النسق السياسي الدولي والتركيز بصفة خاصة علي الأدوار التي يشغلها الأفراد المؤثرين في السياسة العالمية([18]).

 

رابعاً: تقييم نظرية الدور:

أمام اختلاف الباحثين حول المفهوم المحوري الذي تقوم عليه نظرية الدور، وحول افتراضاتها، ومضمونها، فقد ظهر خلاف حول جدوي هذه النظرية وقيمتها وتقييمهما، من حيث بيان السلبيات التي تعاني منها، وكذلك الإيجابيات التي يمكن أن تترتب علي استخدامها، فمن حيث الانتقادات الموجهة للنظرية يبرز:

ـ الاختلاف حول تعريف المفهوم: فهناك غموض واضطراب في تعريف المفهوم، الأمر الذي ترتب عليه تعدد التعريفات وكذلك تعدد المفاهيم الأخرى المرتبطة به مع صعوبة الفصل الدقيق بينها.

ـ تعقيد الدور وصعوبة تقييمه: وذلك من حيث الاتساع أو المدى الذي تبدو عليه السلوكيات المميزة في نطاق الدور، ودرجة المهارة والطاقة المطلوبة لأداء الدور، وكذلك في درجة ملاءمة مكونات الدور مع بعضها البعض، كما أن الأدوار تتسم بالطبيعة التي تتسم بها الوقائع الاجتماعية والتي تتمثل في إحداث موجات من التأثيرات التي تمتد علي نحو غير محدود في كل الاتجاهات، مما يترتب عليه صعوبة تقديم قائمة جامعة مانعة لوظائف الدور وتأثيراتها

 

ـ اتساع نطاق نظرية الدور: فالنظرية حتي الآن لم تتم صياغتها صياغة كاملة، كما أنها تفتقر ـ من وجهة نظر الكثيرين ـ إلي البنيان الإدراكي المتكامل.

 

ـ تعدد المنظورات الخاصة بالنظرية: حيث تتضمن مفاهيم مطاطة دون حدود دقيقة، وعلي درجة عالية من التجريد دون مضمون جوهري، ومن بين هذه المنظورات: نظرية الدور الوظيفي، ونظرية الدور التفاعلي الرمزي، ونظرية الدور البنائي، ونظرية الدور المؤسسي، ونظرية الدور الإدراكي.

 

ـ أن نظرية الدور تعد نظرية قليلة الأهمية في مجال دراسة التغيير السياسي ذلك لأنها تركز علي الهيكل السياسي أكثر من تركيزها علي العملية السياسية، كما تعاملت النظرية مع مفهوم توقعات الدور (قواعد الدور) بتبسيط شديد في التحليل فلم تعرض لكيفية تكوينها ودراستها وهي المتغيرة من وقت إلي آخر، كما أنها تقوم علي مستويين في التحليل يتعلق الأول بجانب النسق القياسي الذي يقاس عليه والثاني خاص بمتطلبات المجتمع، كذلك أن توجهات الدور لا تقف فقط عند الحدود التي حددتها النظرية.

 

ـ القائم بالدور: تعتبر النظرية الفرد وحدة التحليل بتركيزها علي سلوك فرد ينتمي لإطار معين إلا أنه وإن كان الفرد وحدة التحليل فهناك مستويات أخري للتحليل لا ينبغي إهمالها، منها المؤسسة ودور الفرد داخلها باعتباره يقوم بالإصلاح وتحقيق أهداف هذه المؤسسة.

 

ـ ضرورة التمييز في دراسة الدور السياسي بين عدد من المفاهيم المهمة المترابطة مثل الوظيفة، والموقف والممارسة، وهي مفاهيم تتداخل في أحيان كثيرة مع مفهوم الدور إلا أنها لا تتطابق معه؛ فالدور غير الوظيفة حيث يشمل النسق والممارسة، والدور غير الممارسة التي تعد جزءاً منه.

 

إلا أنه في مواجهة هذه الانتقادات، التي تعرضت لها نظرية الدور، فإن هناك عدداً من الجوانب الإيجابية التي تتميز بها ومن ذلك: أن النظرية تملك العديد من المصطلحات والمفاهيم والافتراضات التي يمكن أن يتم استناداً إليها إجراء العديد من الدراسات العلمية القائمة علي التجريب، كما أنها تشارك ميادين العلوم السلوكية الأخري الأكثر نضجاً في امتلاكها مجال دراسة محددة ووجهة نظر محددة ولغة محددة، وكذلك الطبيعة التجريبية والسمات الحيادية للنظرية، كما أن النظرية تعتبر ميداناً مشتركاً بين العديد من المجالات البحثية والنظريات التحليلية بما يعطيها مزيداً من القدرة علي الانتشار، وفرصاً واسعة للاستخدام.

"حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


([1]) International Encyclopedia of The Social Sciences, (New York، The Macmillan Company & The Free Press, 1968), Vol. 13, pp. 546 – 556.

([2]) George A. Theodorson and Achilles G. Theodorson, A Modern Dictionary of Sociology, (New York، Thomas Y. Crowell Com., 1969) p. 452.

([3])  H. Popitz, “The Concept of Social Role as an Element of Sociological Theory”, Cambridge University Press, 1972, p. 14.

([4])  Parsons, Talcott, The Structure of Social Action: A Study in Social Theory with Special Reference to A Group of Recent European Writers, (New York: The Free Press, 1968), pp. 640-645

([5]) عبد العزيز عبد الغني صقر، دور الدين في الحياة السياسية في الدولة القومية ـ تحليل تجريبي، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، كلية التجارة، جامعة الإسكندرية، 1989. ص 153 ـ 155.

([6]) السيد محمد السيد عمر، الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1991. ص 44 ـ 45.

([7]) مجموعة باحثين، معجم العلوم الاجتماعية، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1975، ص، 267.

([8]) د. يوسف مصطفي القاضي، ود. محمد مصطفي زيدان، السلوك الاجتماعي للفرد، الكويت، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع، 1981، ص 133.

([9])  د. معن خليل عمر، البناء الاجتماعي، عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع، 1992، ص 71.

([10]) Bruce, J. Biddle, “Recent Developments in Role Theory”, in: Annual Review of Sociology, (California: Annual Review INC, 1986), p.14.

([11]) محمد أحمد إسماعيل علي، دور المؤسسات الدينية في التنمية السياسية ـ دراسة وتقديم، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 1995)، ص 25 ـ 28.

([12]) ماجدة علي صالح ربيع، الدور السياسي للأزهر من 1952 ـ 1981، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 1990)، ص 18ـ 20.

([13]) محمد أحمد إسماعيل علي، دور المثقفين في التنمية السياسية ـ دراسة نظرية مع التطبيق علي مصر، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 1985)، ص 32 ـ 37.

([14]) ماجدة علي صالح ربيع، مصدر سابق، ص 18 ـ 22.

([15])Parsons, Talcott, The Structure of Social Action: A Study in Social Theory with Special Reference to A Group of Recent European Writers, (New York: The Free Press, 1968), pp. 640-658.  

([16]) بشير سعيد محمد أبو القرايا، الدور السياسي للمسجد، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 1994)، ص 51.

([17]) Bruce J. Biddle & Edwin J. Thomas (eds.), Role Theory: Concepts and Research (New York: John Wiley and Sons Inc., 1966) pp. 4-8.

([18]) بشير سعيد محمد أبو القرايا، مصدر سابق، ص 51.

جميع التعليقات تعبر عن آراء المشاركين والموقع غير مسؤل بأي شكل قانوني أو أدبي عن محتواها


المشاركة السابقة : المشاركة التالية
 
الكاتب: فواز القحطاني(زائر)
 مراسلة موقع رسالة خاصة
ليس بجديد!!!! [بتاريخ : الإثنين 02-05-2011 12:04 مساء ]

فعلا دراسه راقيه ووافيه في نفس الوقت
وللمزيد من هذه الاثراءات ان شاءالله ،


-------------------------------------

الكاتب: (زائر)
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الخميس 24-01-2013 07:04 صباحا ]




-------------------------------------

الكاتب: (زائر)
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الخميس 31-01-2013 03:34 مساء ]

                                   


-------------------------------------

 
إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
cool  dry  عربي 
mad  ohmy  huh 
sad  smile  wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 

شبكة الفرقان الإخباية
تصميم أبو المهند